الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

67

مناهل العرفان في علوم القرآن

خلقه ؛ ورسوله إلى عباده ؛ وقال : إن آية صدقي فيما أدعيه ؛ أن يغيّر اللّه الذي أرسلني عادة من عاداته على يدي ، وأن يخرج الآن عن سنّة من سننه العامة في وجوده ، ثم قال : وسيأتيكم اللّه بهذا الأمر العجاب من باب ترون أنكم فيه نابغون ، وعليه قادرون ، وإني أتحدّاكم زرافات ووحدانا أن تأتوا بمثل هذه الآية ، وأمامكم الباب مفتوحا كما تعتقدون ، وفيكم النبوغ موفورا كما تدّعون ، ثم أنتم مجتمعون وأنا وحدى . قال ذلك بلغة الواثق ؛ وتحدّانا هذا التحدي الظاهر ، في وقت يثور فيه على عقائدنا وعاداتنا وأخلاقنا ، ويسفّه فيه أحلامنا وأحلام أمثالنا من آبائنا ، ونحن أحرص ما نكون على تعجيزه وتبهيته والغلبة عليه والظفر به ، دفاعا عن كرامتنا ، وانتصارا لأعز شئ لدينا . ثم لم يلبث أن قام وقمنا ؛ وأجمع أمره وأجمعنا ، وإذا نحن جميعا بعد محاولات ومصاولات ؛ لم نستطع أن نأتى بمثل ما أتى به ، فضلا عن أعظم منه . مع أننا أمة وهو فرد . ومع أنه قد دخل علينا من أيسر الطرق في نظرنا ؛ ومن أشهر فنّ في زماننا ، ومع أنه قد أعطانا الفرصة الكافية لمناظرته ، وأنصفنا كلّ إنصاف من نفسه ! ! هل يشكّ ذو مسكة من عقل ، في أن هذا الانسان المتفوّق الممتاز ، صادق في رسالته ، محق في دعايته ؟ خصوصا إذا عرفنا فوق ذلك كله ، أنه نشأ فينا على الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ، من لدن صباه وطفولته ، إلى يوم مبعثه ورسالته ! . لو أنه جاء بالمعجزة من باب لا نعرفه ، لقلنا : رجل حذق فنا من الفنون التي لا علم لنا بها ، أو تعلّم صناعة من الصناعات التي لم نحط بخبرها . أمّا وقد جاءنا من الناحية التي نشهد لأنفسنا فيها بالفوق والسبق ، فلا يسعنا إلا الإذعان له ، والايمان بما جاء به ، ما دمنا منصفين . ولنضرب لك مثلا : جاء موسى عليه السلام بمعجزته عصا من الخشب ، لا روح